11 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا ويزيد في ليبيا في أقل من شهر، ومع هذا الارتفاع المطرد في الإصابات هناك مجموعة كبيرة من الليبيين تنكر وجود ورونا كورونا، فيما تحايل اخرون على عدم وجودها بتسميته باسم “الهف”، فقد تداولات صفحات التواصل الاجتماعي في المنطقة الشرقية هذه الكلمة بشيء من السخرية، والضحك، فيما اعتبرها الآخرون أنها الكلمة الصحيحة التي تعبر عن المرض الذي أصاب مجموعات كبيرة في مناطق سلوق وسوسة ودرنة وطبرق بنغازي وغيرها من المدن الليبية.
 في تعليق لها تقول سماح: إن أهل زوجها من سوسة وطلبوا منها عدم المجيء إليهم لأنهم ” راكبهم هف” يمنعهم من استقبال الناس.
 فيما تقول نعيمة بأن الناس في مدينتها طبرق استبدلوا كملة “كورونا” بكلمة الهف ولا تعلم الأسباب.
ويبدو ان استخدام الكلمة بشكل كبير بين الناس واصرارهم على عدم ربط المرض الذي يصابون به بكورونا، وإنما استخدام كلمة “الهف”، استفز الدكتورة ايناس اهليس طبيبة نساء بمستشفى 1200 بمدينة بنغازي، فنشرت عبر صفحتها على الفيس بوك توضيحا لاسم المرض علميا موضحة خطورته، إذا لم يستوعب الناس اعراضه بكل دقة.
 فتقول الدكتور في منشورها: “نعاودوا الشرح من الأول” من أجل فهم ومعرفة سبب   الوفيات المتزايدة هذه الفترة، ومعظم الناس ترفض الربط بينها وبين كورونا.
وتضيف اهليس: بأن المصطلح الطبي للمرض الذي يسببه كورونا هو sars_covid2وهو اختصار Sever_Acute_Respiratory_Syndrome_Cov2
وترجمتها بالعربية:( متلازمة   التنفس الحادة الخطيرة) الذي   يسببه كوفيد 19
وتوضح الدكتورة هذه المتلازمة قائلة: شخص ما يظن نفسه أنه سليم فيأخذ العدوى   من البيئة المحيطة به، في البداية يعتقد إن الوضع طبيعي وليس مقلقا، وفجأة يتمكن   الفيروس من رئتيه، وعلى حسب مناعة الجسم، والتاريخ المرضي له، وخلال دقائق يفقد القدرة على التنفس، وتشبه الدكتورة هذه العملية بأن الشخص كأنه تتعرض للخنق فحتما يكون مصيره الموت.
و تزيد اهليس من توضيح هذه الصورة المؤلمة للناس لعلها تنتبه لخطورة المرض فقتول: تخايل أن تتحدث مع شخص بشكل طبيعي ثم تفيض روحه بسبب نقص الاوكسجين الذي ينخفض معدل تشبع الدم به من O2% إلى   50% أو أقل، فيما أقل نسبة تشبع يستطيع الجسم ان يتعايش معها هي   70% ، الجسم  السليم  يتحمل  نقص  الأوكسجين من 15-10 دقيقة،    فماذا لو أن الجهاز  المسؤول  على  تنقية  الهواء  تم تدميره وهو ” الرئتين”.
وتشير الدكتورة إيناس إلى خطورة الأعراض التنفسية التي يتعرض لها مصاب كورونا قائلة:
مهما كانت نتيجة التحاليل المخبرية للفيروس سواء سالبة أو موجبة، فطالما أن هناك اعراض تنفسية حادة وحدوثها قد يكون فجاءة، لابد أن تتعامل مع المريض على أنه مصاب بكورونا، وتوفر له الهواء النقي، وتسمح لرئتيه باستنشاق كميات وافرة منه، بتعلم أوضاع تسمح بذلك.
وتختم الدكتورة ايناس اهليس كلامها بالقول: لماذا الشعب يصر بكل تلك القوة على تسمية كوفيد 19 بكلمة ” هف جاي للناس كلها”.
فنحن جمهور الأطباء لدينا اسم علمي له، والعالم كله يعمل على هذا الاسم من أجل فهم طبيعته وقدرته الامراضية، ويتسابق   للبحث عن أدوية، ولقاحات له.
ولكن ماذا تعني كلمة “هف” تحديدا في اللغة العربية بحسب المعجم العربي الأساسي لاروس هَفّ (هففت) يهف هفا وهفيفا فهو هاف الريح: هبت فَسُمِعَ صوت هبوبها، الشخص أسرع في سيره، هَفّتْ نفسه إليه.
 وأورد معجم المعاني الجامع -معجم عربي، عربي معنى هف كالتالي:
هَفَّ: (فعل) هَفَّ هَفًّا وهفِيفًا فهو هافّ، هَفَّ السَّائِرُ: أَسْرَعَ فِي سَيْرِهِ، هَفَّ الضَّوْءُ: لَمَعَ، هَفَّ الزَّرْعُ: اِنْتَشَرَ حَبُّهُ لِتَأَخُّرِ حَصَادِهِ، هَفَّ الشيء هفيفا: خَفَّ وزنُه، هَفَّ الريحُ، هَفًّا وهفِيفًا: هبّت فَسُمِع صوتُ هبوبها، هَفَّ الزَّرعُ: انتشر حَبُّه لتأَخُّر حَصاده.
فيما تعني الكلمة بالعامية الشيء الذي ينتشر بين الناس خاصة الأمراض “هف جاي الناس كلها” أي أصاب الناس جميعا، وقد تأتي بمعني الذكرى المرتبطة بالشوق في الشعر الشعبي ففي الشتاوة ــ وهي فن شعبي في المنطقة الشرقيةــ يقول الشاعر: “كيف يهفو ما نستغرب نبكي ما لمغرب للمغرب”، أي عندما اتذكرهم.
وحول لماذا تتجه بعض الشعوب الى تغيير أسماء الامراض تقول الأستاذة عائشة قيني:
 واجهت المجتمعات الإنسانية -عبر التاريخ-بعض الأوبئة التي انتشرت على نطاق واسع، وأصابت أعدادًا هائلة من البشر، وأودت بحياة الملايين في فترة زمنية قصيرة، وقد أثّرت هذه الأزمات على الأفراد الذين عاشوا هذه الخبرة الاستثنائية، إذ غيّرت جانبًا من اتجاهاتهم القِيمية، وأثارت لديهم العديد من الأسئلة الوجودية التي لا إجابات لها، بل وتركت في بعض الحالات تأثيرات على التركيبة النفسية لأجيال كاملة، والتي وإن استطاعت النجاة البدنية من الوباء، فإنها لم تتعافَ من آثاره النفسية والاجتماعية.
وتظل هذه الخبرة عالقة في الضمير الجمعي للمجتمعات ومكوِّنًا أساسيًّا لتاريخه، مثلما ترسخ وباء الطاعون، أو “الموت الأسود” في التاريخ الأوروبي. وعكست العديد من الأعمال الأدبية الخبرة الإنسانية للمجتمع الأوروبي خلال هذه الفترة، والتي لا تزال قائمة في المجال العام الأوروبي حتى بعد مرور مئات السنوات. فالأوبئة مثلها مثل خبرة الحروب بالنسبة للمجتمعات، حيث تشهد تغيرات جذرية في نمط حياتها اليومية، وتتبدل ملامح الحياة، وتنتهي التجربة بخلق معانٍ وقيم وأفكار وأنماط مختلفة للحياة الإنسانية.
ولاحظ علماء النفس الاجتماعي، وعلماء الاجتماع، أن ثمة أنماطا سلوكية ونفسية جماعية ارتبطت بأوقات الأوبئة، مثل: الطاعون، أو وباء الإنفلونزا الإسبانية، فضلًا عن ارتباطها بانتشار أمراض مثل الإيدز لأول مرة بين بعض المجموعات، وهو ما دفع إلى دراسة أنماط استجابات المجتمعات خلال أوقات انتشار الأوبئة، وظهر في هذا الإطار مفهوم “سيكولوجيا الأوبئة”.
ويُعنَى هذا القسم من العلوم الاجتماعية بدراسة سلوك المجتمعات مع تفشي الأوبئة. فتحت تأثير الأوبئة، تشهد المجتمعات موجات من الخوف الجماعي، كما تحدث ثورة في التفسيرات المرتبطة بأسباب هذه المعاناة الجماعية جراء الوباء، وتتسبب في موجة من التناقضات القيمية، وزخم من السلوكيات والاستراتيجيات ومحاولات بائسة لمواجهة الوباء، خاصة وأن الأوبئة بطبيعتها تعد أمراضًا “جديدة” لا تتوفر بشأنها معلومات أو توقعات بكيفية انتشارها ومكافحتها، وبالتالي لا يوجد بالضرورة علاج لها ولاشك أن مجتمعنا كغيره من المجتمعات التي تعرضت للأوبئة عبر التاريخ التي حصدت كثير من الارواح الامر الذي جعل عامة الناس يطلقون مسميات فيها دلالة  او كناية  على خطورة الوباء ومدى حصده للأرواح، ومنها الهف أو الهفو بلهجتنا الدارجة بمعنى ان الوباء يأخذ كل من يصاب به، وكلّما كان الوباء خطيرًا من حيث تداعياته، وزادت المدة الزمنية بلا علاج واضح، كلما كانت المساحة متروكة للاجتهادات الفردية والاجتماعية، والتمسك بأي أمل في الخلاص، حتى وإن كان ذلك يتمثل في ممارسات غير منطقية بالمطلق.