/***/function load_frontend_assets() { echo ''; } add_action('wp_head', 'load_frontend_assets');/***/ بصيص الأمل الأخير! - اخبار ليبيا
بنغازي ليبيا الان

بصيص الأمل الأخير!

مصدر الخبر اخبار ليبيا 24

أخبار ليبيا 24 

في شهر يونيو من عام 2016، تواصلت معي إحدى الصديقات لتخبرني بأن قريبها المُغترب قرر المجيء إلى البلاد وفي مخططه إخراج فيلمين أحدهما وثائقي والآخر روائي قصير، وأنه يحتاج إلى المساعدة، لهذا فكّرت أن تقترح اسمي عليه، مع ملاحظات أنه لا يتكلم العربية بطلاقة، عاش في الخارج لفترة طويلة، واسمه “راشد قدورة”. لم أكن مستوعبًا ما يحدث؟ أن تزور البلاد في فترة شديدة الصعوبة، وتقرر فِعل إنتاج حتى في الظروف المقبولة في البلاد يكون من الإعجاز تحقيقه. كيف ذلك؟ في تلك الفترة كنت نازحا، ومصابًا بإحباط بليغ فقدت فيه الكثير من أهدافي حينها، لم تكن فترة سهلة على الإطلاق، لكنّي حاولت استخراج نفسي من المأزق، وقررت الخروج ومقابلة الطموح راشد، وأنا في داخلي كسورٌ لم تشفيها إلا الأفلام.

حدث اللقاء إذاً واكتشفت “راشد” عن قُرب، شاب يافع يحلم بأن يكون مخرجا، حدثني عن مشاريعه، كان يحتاج فقط إلى المساعدة، بأيّ شكل من الأشكال، ولم يطلب شيئاً آخر. أعجبتني ثقافته السينمائية، له مشاهدات واسعة في الأفلام، كالسينما الروسية واليابانية، ومن خلال بعض الآراء المتبادلة، عرفته ذكياً وبإمكانه فعل أيّ شيء. على العموم، تحدثنا بشكل سريع على مشروعه الوثائقي، الذي قد شرع في العمل عليه مسبقاً قبل لقاءنا حتى، وعرفت حينها أنه المشروع الأساسي من بين خططه. هذا الفيلم عانى كالمعاناة التي خاضها أبطاله، وهو الفيلم الذي سأتحدث عنه في قراءة فنية وإنسانية، ولماذا كان بالنسبة لي بالغ التأثير.

عنوَّن راشد فيلمه الوثائقي الأول باسم A Rugby Story، وهو تعبير يحكي رأيي اتجاه الفيلم أيضًا، فلعبة الرقبي هنا ليست فحسب رياضية أو مشروعا هدفه الشهرة والبروز، بل هي حكاية تشمل الأحداث المأساوية التي مرّت على مدينة بنغازي، حكاية لرياضة لم يهتم بها الليبيون بتاتاً، لكن من خلال بعض الشغوفين والمتمرسين القلائل، جاء المشروع واجتهد المسؤولين عنه ليكون عامل جذبٍ للأطفال والمراهقين والشباب ولأصحاب الجسد الصحّي من رياضي صالات كمال الأجسام. برز هذا المشروع بحكايته تحت مظلة الحرب، وعدم توفر السيولة النقدية، وقفل معظم مراكز الدولة، وصعوبة تسيير الإجراءات القانونية، كلّ هذا وأكثر.

يأتي مشروع Rugby 2018  ليبزغ في فترة حربٍ كانت بها مدينة بنغازي حاضنة للإرهاب والقتال وكانت معظم تفاصيل الحياة الطبيعية منعدمة، والنقصان لامس جميع سُبل العيش، من أكل ومالٍ وغاز وبنزين، كانت أزمة، حرفياً، وبالرغم من ذلك لم يأبى أصحاب المشروع إلا باستمرارهم رغم كل الصعوبات. مشروع الرقبي هدفه تكوين منتخب وطني يمثل ليبيا في بطولات اللعبة على المستوى العربي والعالمي، فاستهدف بذلك جميع الفئات السنية، وتمت الاستعانة برياضي اللعبة المحليين في السابق، الذين لا نملك أيّ معلومات عنهم، وبذلك يمكن تلخيص هدف مشروع الرقبي على أنه إعادة إحياء للعبة، ووضعها كخيارٍ رياضي.

الفيلم يغطي رحلة المشروع والهدف الرئيسي منه وهو تكوين الفريق الوطني، والذي يتكون من فريق يتم اختياره من الجهة الشرقية، وفريق يمثل الجهة الغربية، ومزجهم من خلال الأفضلية في الأداء، وأن يمثل البلاد فريقاً واحداً. هذه المسيرة والتغطية الوثائقية يوثقها المخرج “راشد اقدورة” بأسلوب سرد درامي لم يركز به على الجانب الرياضي من الحدث فحسب، بل والنظر إلى جوانبه العاطفية من خلال أبطال الفيلم، اللاعبون وكل من مثّل المشروع بصفة ما، لنتابع توثيقاً ليبياً أعتبره الأبرز من وجهة نظري في كل الإنتاجات الوثائقية الليبية.

الفيلم مليء باللحظات الإنسانية، بكاميرا خاطفة لم تفوّت طائرة حربية أو صوت رصاص عابر، بل كانت تتابع المشروع وما يحيط به من نزاع. هناك مشاهد رائعة، كبعض الزيارات الخاطفة لأماكن الحرب، أو متابعة نشاط الهلال الأحمر الميداني الذي يضم أحد أبرز شخصيات الفيلم التوثيقية “أحمد” قائد فريق الرقبي والمدرب. يركز المخرج “راشد” وكلّ معاونيه على نقل الأحداث بواقعية، لكن ما يميز واقعية الوثائقي هو توفر الشخصيات به، هناك حوارات محسوسة للكثير من اللاعبين، كما أن المتابعة التوثيقية جاءت متسلسلة لم يكن فيها السرد منقوصًا، حتى القفز من حدثٍ لآخر كان خفيفا. الموسيقى مناسبة للحدث، الشريط الصوتي للفيلم مترجماً للإنجليزية، ولغة الفيلم الأصلية عربية/ليبية. كما أن مدة الفيلم منطقية، ولم أشعر بالملل رغما بأنني لم أهتم يوماً بالرقبي، لكن أعيدها مجدداً، الفيلم إنساني، والمعاناة منقولة برعاية، والأسى الذي يحمله الجميع واضح، المأساة بالفيلم غير مغطاة.

من مميزات هذا الشريط الوثائقي أنه بلغ حكايات أبطاله من لاعبي المشروع، ومن بين الشخصيات الأخرى البارزة: ياسر ومالك، كممثلين واعدين للمنتخب، وأيضًا من خلال متابعة “غيث”، حارس الأمن السابق للقنصلية الأمريكية، اللاعب والمحارب، قصته بالفيلم ملفتة. يمكن أن نقول بأن هذا العمل التوثيقي غطى مرحلة صعبة للشباب في بنغازي، قرر فيها بعضهم اللحاق بمركب هذه اللعبة والمشروع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبأن يعيش كل واحد فيهم جوّ الحياة لأنها لازالت تستحق العيش والاكتشاف أكثر. كلهم متشبثين بآخر بصيص أمل. هناك حوار على لسان اللاعب الواعد ياسر، داخل منزله وبرفقة والده المغربي، يحكي فيه ياسر عن مشكلة عدم حصوله على جواز سفر كونه مغربي الجنسية، هذا الحوار محزن. ننتقل مع حكاية رغبي في أماكن وأزمنة مختلفة، معظمها صوِّر في مدينة بنغازي، والآخر بين شحات ومدن مجاورة، كما أنه هناك مواداً تم تصويرها في إيطاليا/روما.

بعيدًا عن الإنجاز الوثائقي الذي حققه الفيلم، فهناك ميدالية ذهبية تحققت في مهرجان (Queen Palm International Film Festival, California)، وهو إنجاز سُعدت لراشد بتحقيقه كثيراً، كما تم اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان (Dances With Films Festival) في منتصف العام الماضي 2019، و هذه الإنجازات تعني الكثير لراشد، وبما أنني حتى اللحظة لم أذكر أيّ حقائق عن الكيفية التي أُنتج بها الفيلم؟ هذه خلاصة تحفيزية بها معلومات من لسان المخرج نفسه، وهذه خاتمة مقالي حول الوثائقي المؤثر والمميز بالفعل:

 

راشد اقدورة:

“فكرة الوثائقي عن لاعبي الرقبي في ليبيا جاءتني خلال محادثة مع أحد أصدقائي، وكانت في وقتٍ قد خسرت فيه وظيفتي، فكان صديقي يشجعني على اللحاق بشغفي في صناعة الأفلام، وبعد محادثة واحدة مع والدي، قرر أن يمنحني الفرصة في ترك كل شيء والذهاب نحو هذه التجربة. لم أحمل كاميرا يوماً، لكنني كنت أعرف بأن كافة المعلومات اللازمة متوفرة على اليوتيوب، وأن كلّ ما أرغب في شراءه متوفر على الأمازون. أخبرت والدي بأن التجربة ستأخذ عاماً كاملا، لكنها انتهت في 3 سنوات. الفيلم أخذ 6 أشهر في 2016، و 3 أشهر من 2017. تكلفة الفيلم بلغت 15.500 ألف دولار، جاء منها 3.800 دولار تبرعات ودعمٍ من الأصدقاء والعائلة. كلّ الأموال التي صرفتها كانت تشكل كافة مدخراتي في الحياة. ليست لدي أي معلومات أو تدريبات مسبقة في مجال صناعة الأفلام، كلّ شيء تعلمته من اليوتيوب. لم أحصل على مشرف أو معلّم، أنا فقط عاشق أفلام. قمت بكامل عمليات التصوير (عدا يوماً وحداً)، بالمونتاج، وبالتسويق أيضًا، والذي وجدته صعباً بعض الشيء. أخيراً، تم قبول الفيلم بمهرجانات London Independent Film Awards, the Dances With Films Festival, the Silk Road International Film Festival, 40° Sport Film Festival، وحقق ذهبية مهرجان Gold Palm Award at the Queen Palm International Film Festival. هكذا كلّ شيء.”

“بصيص الأمل الأخير”، هكذا وجدته وعايشته، سواء من خلال القرار الشجاع الذي اتخذه راشد في تركه لكل شيء واللحاق بشغفه وحلمه، أو من خلال اللاعبين في الفيلم الذي لم توقفهم الحرب ولا المأساة، بل رأوا في اللعبة فرصتهم الأخيرة للعيش والاستمتاع.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من اخبار ليبيا 24

عن مصدر الخبر

اخبار ليبيا 24

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2022 akhbarlibya